محمد بن جرير الطبري
332
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
( وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ) * . يقول عز ذكره : وما نرسل إلا ليبشروا أهل الايمان والتصديق بالله بجزيل ثوابه في الآخرة ، ولينذروا أهل الكفر به والتكذيب ، عظيم عقابه ، وأليم عذابه ، فينتهوا عن الشرك بالله ، وينزجروا عن الكفر به ومعاصيه ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق يقول : ويخاصم الذين كذبوا بالله ورسوله بالباطل ، ذلك كقولهم للنبي ( ص ) : أخبرنا عن حديث فتية ذهبوا في أول الدهر لم يدر ما شأنهم ، وعن الرجل الذي بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وعن الروح ، وما أشبه ذلك مما كانوا يخاصمونه به ، يبتغون إسقاطه ، تعنيتا له ( ص ) ، فقال الله لهم : إنا لسنا نبعث إليكم رسلنا للجدال والخصومات ، وإنما نبعثهم مبشرين أهل الايمان بالجنة ، ومنذرين أهل الكفر بالنار ، وأنتم تجادلونهم بالباطل طلبا منكم بذلك أن تبطلوا الحق الذي جاءكم به رسولي . وعنى بقوله : ليدحضوا به الحق ليبطلوا به الحق ويزيلوه ويذهبوا به . يقال منه : دحض الشئ : إذا زال وذهب ، ويقال : هذا مكان دحض : أي مزل مزلق لا يثبت فيه خف ولا حافر ولا قدم ومنه قوله الشاعر : رديت ونجى اليشكري حذاره * وحاد كما حاد البعير عن الدحض ويروى : ونحى ، وأدحضته أنا : إذا أذهبته وأبطلته . وقوله : واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا يقول : واتخذوا الكافرون بالله حججه التي احتج بها عليهم ، وكتابه الذي أنزله إليهم ، والنذر التي أنذرهم بها سخريا يسخرون بها ، يقولون : إن هذا إلا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ولو شئنا لقلنا مثل هذا . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على